التبطيل للرجالة

أنا بحب اسكندرية.. وبكتب فيها بسلاسة وسهولة، وكأن الكلام مياه سارية بين أصابعى .. على عكس غيرها من الأماكن.. اللى بحس فيها مع كل جملة إنى بحل كلمات متقاطعة..

المهم..

امبارح فطرت فى (ريكافرى)..

(ريكافرى) هو مركز علاج للإدمان فى اسكندرية.. اسكندرية اللى أنا مش بس بحبها.. ده أنا بعشقها.. وريكافرى أصبح أحدث خلجات قلبى فى عشقى ليها..

أنا مش من المتخصصين فى علاج الإدمان.. ومكنتش فى يوم من الأيام عضو فى فريق علاج إدمان.. ولا جزء من مجتمع علاجى للإدمان قبل كده.. يعنى دى أول مرة فى حياتى أحضر تجمع كبير فى مكان متخصص فى علاج الإدمان.. بدعوة من أخويا وحبيبى (د. شريف درويش) مؤسس ومدير المكان..

المدعوين كانوا باقة من أفضل وأجمل الأطباء النفسيين فى اسكندرية، ومن أكثرهم مهنية وخلقا واحتراما..

واللى شوفته فى الليلة دى ماشوفتهوش طول عمرى قبل كده..

مجموعة هائلة من المتعافين من الإدمان.. بيحتفلوا بالمكان اللى ساعدهم على (التبطيل).. المكان بالنسبة لهم مش مركز علاجى.. لا.. ده بيت عيلة.. وهما عيلة بعض.. آه.. هما عيلة بعض..

وهنا لينا كلام..

المتعافين من الإدمان من أول ما كانوا مدمنين وهما حاسين من جواهم إنهم منبوذين من المجتمع.. من الأهل.. من أنفسهم شخصياً فى أحيان كتير.. إحساس صعب ومقيت.. غائر وعميق.. مهما بدا لك من بسمات على الشفاه.. أو ضحكات متعالية الصوت.. علشان كده بيعملوا لنفسهم مجتمع خاص بيهم.. منفصل عن كل اللى حواليه.. يونسوا فيه بعض.. ويربتوا فيه على أكتاف بعض.. وألف باء فى خلق مجتمع بهذه المواصفات هو تكوين لغة جديدة خاصة بيهم.. محدش يفهمها غيرهم ولا زيهم.. ولا حد يقدر يحاول حتى يفك طلاسمها.. فى ثورة واضحة على لغة باقى البشر.. وتهكم لاذع على مفرداتها.. وتعالى شبه مقصود عن كل ما هو عادى ومنطقى.. وقبل وبعد اللغة تنشاً علاقات وسلوكيات معقدة ومتشابكة إلى أقصى درجة.

من هنا جت أهمية وجود (مجتمع علاجى) لعلاج الإدمان.. يستوعب لغتهم.. ويحتوى طاقتهم.. ويقدم ليهم كل اللى افتقدوه خارجه.. مجتمع يعنى عيلة وأصحاب.. معارف وعلاقات.. شغل وترفيه.. سعى وتغيير..

الدكتور اللى عاوز يعالج مدمن ماينفعش يعالجه وهو دكتور.. لازم يعالجه وهو بنى آدم.. لأن المدمن زى (الطفل الصغير).. يقدر يلقط اللى جوا أى حد من غير ما ينطق هذا الحد ولا كلمة واحدة.. يقدر يفرق الصادق من الكذاب.. يقدر يحس المخلص من المتلاعب.. يقدر يفك شفرة أى شخص فى دقيقتين.. علشان كده مهم تحترمه.. وتديله قدره.. وتقلع الدكترة على الباب.. وتلبس ثوب الآدمية بتواضعها وبساطتها وحقيقتها..

قولتلى (الطفل الصغير)؟

أيوه يا سيدى..

المدمن داخله طفل صغير جداً.. محتاج جداً.. ومحروم جداً.. ومن كتر حرمانه قرر إنه يدفع أى تمن علشان يشبع شوية.. وأهو يتعاطى حشيش بدل المشاعر اللى اتحرم منها فى بيته.. ويشد بودرة بدل الاهتمام اللى مالقاهوش وسط أهله.. ويضرب سرنجة بدل الحب اللى اتبهدل وهو بيدور عليه فى عالم يقتل باسم الحب..

نرجع للفطار..

أجواء احتفالية.. سرادق كبير.. ترابيزات ومفارش ويفط وبانرات.. وتعليق حى لحظة بلحظة بميكروفون أحد الموهوبين جداً من متعافى المكان..

بعد الفطار حصل اللى خلانى كتبت المقال ده.. حفلة التكريم.. تكريم المتعافين.. أو الناس اللى (مبطلين).. منهم اللى مبطل من 12 سنة.. اللى مبطل من 9 سنين.. من 4 سنين.. واللى لسه أديله شهور.. كل واحد بيقدمه واحد من زمايله.. وياخد هديه تذكارية بسيطة.. بعد ما يتكلم عن تجربته فى دقايق.. ويشكر (مشرفه الشخصى).. ثم ينال حقه المستحق من التحية والاحتفاء.. وكان لى الشرف إن قدمت أحد أبطال المكان.. وكان لى الفخر والسعادة إنى لقيت كتبى جزء من رحلة بعض المتعافين..

مافيش أى كلام ممكن يوصف الحب اللى بين المتعافين.. ولا الفخر اللى فى عيونهم.. مافيش أى لغة تقدر تصيغ صدقهم وقربهم وبراح قلوبهم.. شجاعتهم.. جرأتهم.. وخجل الأطفال الصغيرة اللى فى عيونهم.. وبعض لمحات الانكسار القديم المستعصية على الاختباء..

“انت تقدر تسبق نفسك بخطوة”.. أول جملة انطلقت من فم أحد المتعافين.. مليانة كفاح وإصرار..

“التبطيل للرجالة.. والرجالة للتبطيل”.. جملة تانية.. فيها قوة تحدى..

“التعافى رحلة.. مش محطة”.. عن فن الاستمرار بلا توقف..

“اللى مالقيتهوش من أهلى.. لقيته هنا”.. الجملة اللى أسالت دموعى..

“مشرفى الشخصى كان هو الأب والأم”.. وصف فى كلمتين للى أنا كتبته فى كتابين كاملين..

“أنا معايا دكتوراة من إحدى كليات القمة.. لكنى هنا طفل فى كى جى وان”.. مش قولتلكوا جواهم أطفال صغيرين.. تعالجهم بالصدق.. تملكهم بالبساطة.. تحتويهم بالحب..

اللى عاوز يشوف حد طالع من الحرب.. بملابسه المخضبة بالدماء.. والتراب اللى مالى جبينه وملامحه.. يبص على متعافى من الإدمان.. لأنه شخص كان ،ولا يزال، وسيظل فى جهاد عنيف مع نفسه.. وفى كفاح شريف ضد جيناته وتلافيف مخه (الأبحاث أثبتت أن الإدمان له استعداد جينى، وده طبعاً لا ينفى العوامل الأخرى)..

اللى يحب يتعلم يعنى إيه مأساة إنسانية تصنع بطل.. يقعد تحت قدم متعافى من الإدمان ويسمع منه حكايته..

اللى مهتم يسجل حِكَم خالصة من انصهار خبرات حياتية فائقة الألم.. يحضر جروب متعافين من الإدمان..

واللى يقدر يبدأ يومه بدعائهم الشهير.. يبروزه ويعلقه بين عينيه:

اللهم امنحني السكينة لأتقبل الأشياء التي لا أستطيع تغييرها..

والشجاعة لتغيير الأشياء التي أستطيع تغييرها..

والحكمة لمعرفة الفرق بينهما..

من كام شهر اتخضيت لما سمعت نسبة انتشار الإدمان فى العالم وفى بلادنا.. لكنى امبارح تأكدت وتيقنت بما لا يدع مجالاً للشك.. إن داخل كل مدمن –يبطل- بطل..

داخل كل مدمن –يبطل- بطل..

د. محمد طه

مشاركة من خلال :

Facebook
X
LinkedIn
WhatsApp
Telegram