الدقيقة 2، و 20 ثانية..

الدقيقة 2

الفيديو ده انتشر على السوشيال ميديا خلال الأيام اللى فاتت.. وهو لأم أمريكية بتعاقب ابنها عن طريق إنه بتحط فى فمه (شطة).. وبعدها بتحمِّيه بماية باردة.. الأم اتسحبت منها حضانة الطفل لأن ده يعتبر سوء معاملة وإيذاء شديد.

أنا مش عاوز أقول وأكرر تعليقات كتير من الناس اللى شافوا الفيديو، وقالوا –وعندهم حق- إن بعض الأمهات فى مجتمعاتنا بتعاقب أطفالها بطرق أصعب من كده.. أنا بنفسي سمعت فى عيادتى حكايات تشيّب الشعر حرفياً..

الفيديو موجع جداً.. بس اللى يوجع فيه مش بس قسوة الأم وجبروتها.. ولا طريقتها البشعة جداً فى العقاب.. ولا إصرارها على تنفيذه بهذا الشكل اللإنسانى.. اللى يوجع أكتر من كل ده، واللى واجعنى أنا شخصياً.. هى اللحظة اللى عند (دقيقة 2، و20 ثانية)..

اللحظة اللى الطفل مستسلم فيها تماماً لأمه.. ومسلم ليها جسمه كما هو.. وفى الحقيقة هو فى اللحظة دى مش مسلمها جسمه فقط.. هو مسلمها جسمه ونفسيته وروحه وعقله.. وكل حاجة..

أنا اتكلمت وكتبت كتير قبل كده عن الأوقات اللى الطفل (من 3 إلى 7 سنين) ممكن ياخد فيها قرارات حياتية ومصيرية جداً يبنى عليه مستقبله وعمره كله، بناء على موقف أو تفاعل معين مع أحد والديه أو المحيطين بيه.. طفل يقرر إنه مايبقاش تلقائى، طفل تانى يقرر إنه مايقولش (لأ) طول عمره، طفلة تالتة تقرر تدفن أنوثتها.. وهكذا..

مهما بقى وصفت أو شرحت.. مش ممكن يكون فيه أوضح ولا أبين من هذا المشهد المهيب المؤلم.. اللى حصل عند (الدقيقة 2، و 20 ثانية). دى كتاب طب نفسي كامل.. كتاب إيه.. دى عشر مجلدات طب نفسي فى بعض..

عارفين إيه اللى موجود جوه الطفل ده فى اللحظة دى؟

شايفين؟ متخيلين؟

أنا أقولكم..

الطفل ده مليان خوف.. خوف شديد.. رعب.. فزع إلى حد السحق.. من شدة العقاب وقسوته..

مليان كمان غضب.. من أمه العنيفة، متحجرة القلب، منزوعة الرحمة.. فى هذه اللحظة..

جواه أيضاً شعور شديد بالضعف وقلة الحيلة.. أمام هذا الوحش الكاسر المنقض عليه بكل قوته وجبروته..

مش بس كده..

ده جواه كره.. كره لهذا الكائن اللى إدى لنفسه الحق بكل بساطة فى لحظة واحدة إنه يوجع ويعذب ويؤلم طفل صغير فى سنه..

وجواه برضه دهشة.. واستغراب.. وتساؤل: هى معقول هاتعمل فيا كده فعلاً؟ معقول هاتحط الشطة فى بقى بجد؟ معقول هاتقدر تعرينى وتحطنى تحت الماية الساقعة فعلاً؟

كل ده مش مشكلة.. مشاعر طبيعية ومتوقعة فى موقف صعب زى ده.. رغم إنها مؤذية جداً..

بس المشكلة اللى بجد هى وجود مشاعر تانية عكس دى تماماً فى نفس الوقت..

مشاعر زى إنه برضه بيحبها.. لأنها أمه.. والمفترض إنها أقرب إنسان ليه..

وإنه فى نفس الوقت محتاجها.. ومحتاج وجودها.. ومايقدرش يستغنى عنها..

وإنه كمان صعبان عليه منها.. لأنه ماكانش مستنى منها كل ده..

واللى يزيد الطينة بله.. واللى يعقد الأمور أكتر.. هو إنه مع كل ده.. كان عنده أمل ولو ضعيف جداً.. إنها تيجى فى آخر لحظة وتقف.. ماتكملش.. تكتفى بالكلام فقط دون التنفيذ.. تتصور إن الرسالة خلاص وصلت.. لكن ده طبعاً ماحصلش..

يعنى خوف.. وغضب.. وقلة حيلة.. وكره.. ودهشة.. حب.. واحتياج.. وأمل.. كلهم فى نفس الوقت.. فى نفس اللحظة.. مين يقدر يستحمل ده؟ محدش..

علشان كده.. وهنا بالظبط.. وسط كل المشاعر المتلخبطة دى.. تحصل أصعب حاجة فى الدنيا: إنك تفصل.. أيون.. تفصل مشاعرك تماماً.. تسحب الفيشة.. تنعزل عن الواقع بما فيه.. ماتحسش بحاجة.. تتجمد.. وفى نفس الوقت.. وتحت هذا التخدير النفسي الكلى.. تاخد مجموعة هائلة من القرارات النفسية المصيرية جداً، والمخترقة لكل درجات الوعى.. زى القرارات اللى قولناها سابقاً..

تشويه نفسي تام.. جريمة نفسية مكتملة الأركان..

بالمناسبة.. الأذى النفسي الناتج عن الكره أقل بكتير من الأذى النفسي الناتج عن إنك تكره حد إنت بتحبه فى نفس الوقت.. يعنى الطفل المسكين ده لو جاله العقاب والقسوة من صاحبه الغلس اللى بيكرهه فى المدرسة، مش هايتأذى نفسياً بنفس الشكل والقدر اللى يحصل لما يجي من أمه..

نحن نتجمد نفسياً تماماً فى لحظة صراع الحب والكره داخلنا..

بافتكر مشهد فى فيلم أجنبى شوفت إعلانه قريب.. عن أب (ملاكم) بيحاول يقرب من بنته (اللى عندها خمس سنين).. بعد ما انفصل عن أمها.. البنت كانت متلخبطة ومحتارة ومش عارفة تعمل إيه.. قام مدربه الكبير الحكيم قاله بكل حزم (دعها تكرهك حتى تلتئم).. شعور واحد واضح أفضل ألف مرة من شعورين عكس بعض فى نفس اللحظة..

الدقيقة 2، الثانية 20..

لحظة انكسار الخاطر.. وفقدان الأمل..

لحظة بركان نفسي عنيف.. مغطى بطبقة سميكة من الثلج..

لحظة قرارات نفسية حياتية مؤلمة جداً.. وربما دائمة للأبد..

لحظة كتمان الدموع.. قبل سيلها..

وكتمان الصوت.. قبل انفجاره..

وكتمان النفس.. قبل تسارعه..

يا الله..

قريت زمان قصة قصيرة مازلت فاكرها بالتفصيل لغاية النهاردة.. عن غزال جميل ورشيق.. فاجأه نمر شرس فى إحدى الليالى.. وقرر مطاردته لاصطياده.. الغزال جرى بأقصى ما يملك من سرعة ومرونة.. ساعات طويلة من الهروب والكر والفر.. بلا كلل ولا تعب.. لغاية ما الغزال لقى نفسه أمام باب كهف مغلق.. ومن خلفه النمر بعدة خطوات.. وقتها أدرك إنه خلاص مافيش فرار.. وإن دى النهاية.. لف وشه.. وبص ناحية النمر.. وجهاً لوجه.. وكتم صوته تماماً.. زى الطفل ده.. فى اللحظة دى.. بالظبط..

أيها الطفل الصغير..

يا كل طفل صغير..

ياترى إيه القرارات اللى أخدتها..

عند الدقيقة 2، و 20 ثانية ؟

د. محمد طه

مشاركة من خلال :

Facebook
X
LinkedIn
WhatsApp
Telegram