فخ الأم المثالية

نظرة واحدة على الستات اللى بتكرمهم المؤسسات المختلفة سنويا- مع احترامى لها جميعا- تحت لقب (الأم المثالية)، نقدر نعرف منها المعنى المجتمعى لهذا اللقب..
 
لو عاوز تعرفه حضرتك بكل بساطة.. اسأل نفسك: يعنى إيه أم مثالية؟ هاتلاقى صورة ذهنية واحدة (غالباً) نطت فى مخيلتك.. واحدة ست.. كبيرة فى السن.. أرملة أو مطلقة.. ربت عيالها لغاية ما كبروا واشتغلوا واتجوزوا وخلفوا.. مع بعض التنويعات والتباديل والتوافيق..
 
نقول تانى..
واحدة ست -قررت بعد ظروف قاسية- إنها تنكر إحتياجاتها الإنسانية والنفسية الطبيعية، وتعيش علشان حد تانى غيرها..
واحدة ست.. دفنت بعض أجزاءها النفسية بالحياة.. وفوتت على نفسها فرص حقيقية لحياة أفضل هى ومن تعول..
واحدة ست.. نسيت إنها ست.. إنسانة.. أنثى.. لها حقوق..
 
اللى بيحصل فى عقلك دلوقت هو اللى بيحصل فى عقل معظم اللى بيقروا هذا المقال.. اللى جواهم نفس الأسئلة: يعنى تشوف نفسها وتسيب عيالها؟ يعنى تتجوز وتهملهم؟ يعنى تتمتع بالحياة وتنساهم؟ والسبب فى كل هذا الاستغراب وكل هذه الأسئلة حاجة بسيطة جداً اسمها (القالب المجتمعى)..
 
مجتمعنا زى أى مجتمع عمل قوالب ذهنية لبعض المعانى.. ومنها معنى (الأم المثالية).. اللى هية بينى وبينكم أحد مشتقات (المرأة).. وانتوا طبعاً عارفين يعنى إيه (المرأة) عندنا.. مرأة يعنى حد بيضحى بكل شئ وأى شئ علشان رضا وسعادة ومتعة وانبساط الرجل.. مرأة يعنى حد مالهوش أى حقوق فى الحياة إلا بعد أكل وشبع ونظافة وتنظيم وتجهيز وتدليع الرجل.. مرأة يعنى انسحاق وذل وموت نفسي بطئ.. وحتى لو مات أو غاب أو طلق هذا الرجل.. فمن الواجب (مجتمعياً) عليها إنها تستمر فى مسلسل التضحية والتفانى وإنكار الحقوق الإنسانية البسيطة على نفسها، علشان فى الآخر نسقفلها ونقولها برافو ونسميها (الأم المثالية)..
 
طيب والست اللى بعد ما جوزها يموت تتجوز تانى.. دى ست مش محترمة.. والست اللى بعد ما تطلق تشوف لنفسها عريس.. دى ست لامؤاخذة.. والست اللى تحب تعيش.. دى مستصغرة نفسها..
 
أنا عمرى ما سمعت فى أى بلد فى الدنيا عن حاجة اسمها الأم المثالية.. Perfect Mother، وآخر ما أعلمه من توصيف نفسى للمثالية Perfectionism إنها شكل من أشكال الانتحار..
 
أعتقد إن الأم اللى تدى نفسها الحق فى الحياة، وماتطفيش نفسها لأى سبب من الأسباب.. هى أم جديرة بالاحترام.. والأم اللى ماتنساش إنها أنثى ليها احتياجات وحقوق.. هى أم جديرة بالتقدير.. والأم اللى تعلم أولادها إنه ماينفعش تدفن نفسها بالحياة علشانهم ولا علشان أى حد هاتطلع أجيال برضه ماتدفنش نفسها بالحياة ولا تسمح لحد إنه يدفنها بالحياة.. بدلاً من مفهوم متوارث للمرأة الطيبة والأم المثالية على إنها (ضحية) أجادت (التضحية) بنفسها.. ويافرحتى بأولادها خريجى كليات (القمة- مع اعتراضى على التوصيف) اللى وصلهم معنى الأمومة غلط، ومعنى الأنوثة غلط، ومعنى الحياة غلط.. وأهلا بيهم فى العيادات النفسية..
 
مع احترامى لكل الأمهات.. وتقديرى الشديد لهن على كل المستويات..
لكن..
إحنا فعلاً محتاجين نراجع نفسنا..
 
د. محمد طه

مشاركة من خلال :

Facebook
X
LinkedIn
WhatsApp
Telegram